نصرٌ مستحقّ بكلّ المقاييس للمفاوض الايراني على ترامب وتهديداته وامريكا ترضخ لوقف عملياتها العسكرية بالمنطقة
ما جرى في الساعات الأخيرة لا يبدو مجرّد جولة عابرة في حرب مفتوحة، ولا يمكن اختزاله بعبارات التهدئة الشكلية أو المناورات الإعلامية. الصورة الأوضح الآن تقول إنّ إيران خرجت من هذه المرحلة وقد حققت نصرًا مستحقًا بكلّ المقاييس: سياسيًا، وعسكريًا، واستراتيجيًا، ونفسيًا. هذا ليس انفعالًا، بل قراءة لما انتهى إليه المشهد بعد أيام من التهديدات الأميركية القصوى، ثم تراجع واشنطن من حافة الضربة الأوسع إلى تعليق القصف لمدة أسبوعين والقبول بمسار تفاوضي قائم على ورقة إيرانية من 10 نقاط.
في البداية، رفع دونالد ترامب سقف تهديده إلى درجة غير مسبوقة، متحدثًا عن تدمير واسع للبنية الإيرانية، وعن “يوم لمحطات الكهرباء والجسور”، ثم عاد قبل انتهاء المهلة ليعلن موافقته على وقف ثنائي مؤقت للأعمال القتالية، وأن المقترح الإيراني المطروح عبر الوسطاء “قابل للعمل” كأساس للتفاوض. هذا التحول وحده يكفي لفهم جوهر ما حدث: من كان يهدد بفرض الإملاءات بالقوة انتهى إلى القبول بالتجميد والتفاوض. وهذه، في السياسة قبل الحرب، هزيمة في منطق الإرادة وانتصار للطرف الذي صمد وفرض شروط الانتقال من النار إلى الطاولة.
أما سياسيًا، فإيران لم تذهب إلى التفاوض من موقع المنكسر. رويترز نقلت بوضوح أن طهران وضعت شروطًا مسبقة لأي مسار جدي: وقف الضربات فورًا، ضمان عدم تكرارها، وتعويض الأضرار، مع رفض الاكتفاء بوقف نار مؤقت والمطالبة بمسار يؤدي إلى سلام دائم لا هدنة شكلية. معنى ذلك أن إيران لم تقبل العودة إلى ما قبل التصعيد بلا ثمن، بل دخلت المفاوضات من موقع من يقول: إن أردتم التهدئة فشروطها تُناقش معنا، لا تُفرض علينا. وعندما ينتهي المشهد بقبول أميركي بتجميد القصف وبدء التفاوض على أساس مقترح إيراني، فمن الطبيعي جدًا أن ترى طهران في ذلك نصرًا سياسيًا كبيرًا.
وعسكريًا أيضًا، لا يصح وصف ما جرى بأنه مجرد “صمود سلبي”. النصر العسكري لا يعني دائمًا احتلال الأرض أو إسقاط الخصم بالكامل؛ أحيانًا يعني منع العدو من تحقيق أهدافه، وإجباره على التراجع عن سقفه الأعلى، والاستمرار في القدرة على الرد حتى اللحظة الأخيرة. هذا ما جرى هنا. رغم التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي، استمرت إيران في فرض نفسها كطرف قادر على الإيلام والرد، إلى أن انتقل الخصم من لغة “سنسحق” إلى لغة “سنعلّق الهجوم أسبوعين”. حتى رويترز وصفت هذا التحول بأنه انعطافة حادة جاءت قبل لحظات من مهلة كان ترامب نفسه قد جعلها فاصلة.
ثم هناك البعد الاستراتيجي الأهم: مضيق هرمز. واشنطن أرادت إعادة فتحه وفق حاجتها وشروطها، لكن الوقائع التي ظهرت في التغطيات الموثوقة تقول إن إيران لم تتعامل مع المضيق كملف أُغلق ثم فُتح بأمر أميركي، بل كـ ورقة سيادة ونفوذ وشروط. رويترز أكدت أن طهران طرحت حقها في تنظيم المرور، والعمل على بروتوكول للعبور، وحتى فرض رسوم تختلف بحسب نوع السفينة وحمولتها والظروف المحيطة. كما ظهرت تقارير عن ترتيبات لعبور آمن لسفن محددة بالتنسيق مع الجانب الإيراني، وهو ما ينسف أصل الرواية القائلة إن طهران فتحت المضيق بلا مقابل أو بلا ضوابط. المعنى هنا واضح: إيران لم تتنازل عن هرمز، بل أعادت تعريفه بوصفه مساحة نفوذ تُدار بشروطها.
اقتصاديًا، يكفي النظر إلى السوق لفهم حجم الورقة التي أمسكت بها إيران. مع اشتداد الأزمة، قفزت الأسعار الفورية لبعض الخامات إلى مستويات قاربت 150 دولارًا للبرميل، بينما ارتفعت عقود برنت وغرب تكساس بقوة، ثم تراجعت بشكل حاد فور إعلان ترامب تعليق الهجوم لمدة أسبوعين؛ إذ هبط خام غرب تكساس بأكثر من 12 دولارًا إلى نحو 100.90 دولار مباشرة بعد إعلان التهدئة. هذا لا يثبت فقط أن هرمز كان ورقة ضغط حقيقية، بل يثبت أيضًا أن قرار الحرب والسلم لم يكن أميركيًا صرفًا؛ السوق نفسه قال إن لمسة إيران على شريان الطاقة العالمي كانت مؤثرة إلى درجة تربك العالم كله. ومن يملك ورقة تهز أسعار النفط بهذا الشكل لا يمكن وصفه بأنه خرج بلا مكسب.
عندما تُعلن واشنطن أنها وافقت على التعليق، وأن معظم نقاط الخلاف حُلّت، وأن الورقة الإيرانية تصلح أساسًا للتفاوض، فهذا يعني أن إيران لم تُدفع إلى القبول بإملاءات اللحظة الأخيرة، بل دفعت خصمها إلى النزول من شجرة التهديد. قد لا تكون هذه نهاية الحرب، وقد لا تكون كل تفاصيل الاتفاق قد حُسمت بعد، لكن الثابت أن من كان يلوّح بالإخضاع السريع انتهى إلى شراء الوقت والتفاوض.
لهذا، فإن وصف ما حدث بأنه نصر مستحق بكل المقاييس ليس مبالغة. هو نصر لأن إيران لم تنهَر تحت التهديد، ونصر لأنها فاوضت بشروطها لا بشروط خصمها، ونصر لأنها حافظت على أوراقها الحيوية وفي مقدمتها هرمز، ونصر لأنها أجبرت واشنطن على الانتقال من خطاب التدمير إلى خطاب التهدئة المؤقتة. قد يختلف الناس في التسمية بين “نصر سياسي” و“نصر عسكري نسبي” و“إنجاز استراتيجي”، لكن المحصلة واحدة: إيران لم تُكسَر، بل فرضت على خصومها أن يعترفوا — عمليًا لا خطابيًا — بأن تجاهل شروطها لم يعد ممكنًا.
Share this content:


