قبل التشييع والوداع الصراعات بین المسلمین لا تخدم سوى القوى الطامعة في المنطقة
بالتشييع المرتقب لجثمان آیةِ الله الإمام السید علی الخامنئي، لا یقتصر المشهد على تودیع قائدٍ سیاسی أو رمز ديني، بل یتجاوز ذلك إلى وداع شخصیةٍ طبعت مسار العقود الأخیرة فی واحدةٍ من أكثر مناطق العالم اضطراباً وحساسیة.
فقد شکّل، بالنسبة إلى ملایین من الناس فی إیران والعالم الإسلامي وخارجه، رمزاً للاستقلال ورفض الهیمنة والدفاع عن کرامة الشعوب. وبغضّ النظر عن المواقف المؤیّدة أو الناقدة لتجربته، فإنّ قلیلاً من المراقبین یمکنهم إنکار حضوره المؤثّر في تشکیل جانبٍ مهمّ من تحوّلات الشرق الأوسط المعاصر.
إنه کان امتداداً لتقلیدٍ نضاليّ یجمع بین مقاومة الاستبداد الداخلي ومناهضة الاستعمار الخارجي. وقد أسهمت سنوات السجن والملاحقة في عهد الشاه في صیاغة رؤیته السیاسیة، وهي رؤیةٌ ارتکزت على حقّ الشعوب في تقریر مصیرها، ورفض الخضوع لإرادة القوى المتسلّطة، وصون العزّة الوطنیة. ومن هنا ظلّت القضیة الفلسطینیة حاضرةً في خطابه باعتبارها قضیة عدالة إنسانیة وامتحاناً لضمیر العالم.
ولکنّ اهتمامه لم یقتصر على السیاسة والصراع الجیوسیاسي؛ إذ کان یؤکّد باستمرار أنّ الخروج من أزمات العالم الإسلامي لا یمکن أن یتحقّق إلا عبر العلم والمعرفة وبناء القدرات الذاتیة. فقد رأى أنّ التخلّف العلمي یؤدّی إلى التبعیة السیاسیة والاقتصادیة، وأنّ الاستقلال الحقیقي یبدأ من المختبرات والجامعات ومراکز البحث. ولهذا دعا الأجیال الشابة إلى الإبداع والابتکار، واعتبر الاستثمار في الإنسان والعقل المدخل الأساس لتحریر إرادة الأمّة واستعادة دورها الحضاري.
وانطلاقاً من هذه الرؤیة، کان یتحدّث عن “النهضة الحضاریة الإسلامیة” بوصفها مشروعاً یجمع بین الإیمان والعقل، وبین الأخلاق والعلم، وبین العدالة والتنمیة. ولم یکن یرى أنّ على المسلمین أن یکتفوا باستهلاك منجزات الآخرین، بل أن یسهموا فی إنتاج المعرفة والثقافة والفنون، وأن یقدّموا نموذجاً حضاریاً یستمدّ جذوره من قیمهم الروحیة والإنسانیة.
ومن أبرز مرتکزات فکره إیمانه العمیق بفکرة “الأمّة الواحدة”. فقد کان یحذّر من الانقسامات المذهبیة والطائفیة، ویعدّها من أخطر أسباب إضعاف العالم الإسلامي واستنزاف طاقاته. وکان یرى أنّ الصراعات بین المسلمین لا تخدم سوى القوى الطامعة في المنطقة، وأنّ المستقبل لا یُبنى بالتکفیر والإقصاء، بل بالحوار والتعارف والتعاون والالتقاء على المشترکات الکبرى. ومن هنا ظلّت الدعوة إلى وحدة المسلمین وتجاوز الخلافات حاضرةً في خطابه بوصفها ضرورةً دینیة وتاریخیة وحضاریة.
أما فیما یتعلّق بالمرأة، فقد شدّد على أنّ نهضة المجتمع لا یمکن أن تتحقّق من دون مشارکتها الفاعلة في میادین العلم والثقافة والحیاة الاجتماعیة. وأکّد مراراً أنّ المرأة شریك کامل فی بناء المجتمع، مع ضرورة صون کرامتها الإنسانیة وهویتها الأصیلة. وبین الإفراط في تهمیش المرأة والتفریط في اختزالها إلى سلعة استهلاکیة، دعا إلى رؤیةٍ تحفظ لها مکانتها وتفسح أمامها مجالات الإبداع والعطاء والمسؤولیة.
وإلى جانب ذلك، کشفت اهتماماته الثقافیة والأدبیة عن جانب آخر من شخصیته. فقد کان واسع الاطلاع على الأدبین العربي والفارسي، شدید الأنس بالشعر القدیم والمعاصر، مؤمناً بأنّ الکلمة الجمیلة قادرة على تهذیب الوجدان وبعث الأمل وإیقاظ الحسّ الإنساني. ورأى في الفن رسالةً أخلاقیة وثقافیة تتجاوز الترف الجمالي إلى الإسهام في بناء الإنسان والدفاع عن الحقّ والخیر والجمال.
وفي مجال الإدارة والقیادة، فإنه استطاع، في ظروف الحرب والعقوبات والضغوط الدولیة، أن یحافظ على التماسك المؤسّسي والرؤیة بعیدة المدى، وأن یدیر الأزمات بعقلیة استراتیجیة. والجميع یقرّون بأنّ حضوره کان فاعلاً في رسم الاتجاهات الکبرى للجمهوریة الإسلامیة وفي التأثیر على معادلات المنطقة.
إنّ التاریخ وحده هو الذی یصدر أحکامه النهائیة بشأن القادة وتجاربهم. غیر أنّ اسم السید علی الخامنئي سیظلّ، بالنسبة إلى کثیرین، مقترناً بمعانٍ مثل مقاومة الهیمنة، ومناهضة الاستبداد، والدفاع عن استقلال الشعوب، والدعوة إلى وحدة المسلمین، والإیمان بالعلم والمعرفة، والعمل من أجل استعادة الأفق الحضاري للأمّة.
ومن هذا المنظور، فإنّ تشییعه لا یمثّل نهایة حیاة رجلٍ فحسب، بل تودیع فصل مؤثّر من تاریخ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي؛ فصلٍ ظلّت فیه قیم العزّة والاستقلال والعدالة والوحدة والأمل بالنهضة الحضاریة مصدر إلهام لملايين البشر، وموضوعاً للتأمّل والحوار وحکم الأجیال القادمة.
عباس خامه يار
نائب رئيس جامعة الاديان والمذاهب في الشؤون الثقافية – إيران
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي موقعنا وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
Share this content:


